الصراع على سوريا وأوكرانيا من منظور «دماغ بوتين»

Πρωτεύουσες καρτέλες

طالما اعتُبرت العلاقات الدولية جزءً من العلوم الاجتماعية الأنجلو-أمريكية، حيث برع فيها علماء ومنظرين أمثال جوزف ناي، صاموئيل هانتنغتون، كينيث والتز، زبغنيو بريجنسكي، بالإضافة إلى شخصيات أخرى خُلِّدت أسماءهم في تاريخ هذا العلم النخبوي، والذي يساهم بشكل أساسي في رسم العلاقات الدولية وطبيعة النظام العالمي المُعاصر.
مؤخراً لم تعد العلاقات الدولية شأناً تتفرد بها الولايات المتحدة وبريطانيا، فأصبحت هناك نظريات سياسية بديلة منشأها روسيا والصين ودول أمريكا اللاتينية والهند وأفريقيا، وأماكن أخرى لها وجهات نظر مختلفة عن التفكير السائد عند الغرب.

أهم هؤلاء المنظرين هو البروفيسور ألكسندر دوغين; الفيلسوف والمنظر والباحث السياسي والاجتماعي، ومؤسس الحركة “الأوراسية الجديدة” والسياسي الروسي الملقب بـ“دماغ بوتين”. ألف دوغين أكثر من 30 كتاب أهمها «أسس الجغرافيا السياسية» و «النظرية السياسية الرابعة».
قدَّم دوغين فكرة “الأمبراطورية الأوراسية” التي يقول من الممكن تأسيسها بتعزيز القوة الجيوسياسية لروسيا والتكامل بين المحاور البرية بزعامة روسيا والذي يشكل فيه العالم العربي أحد أحزمته الثلاث (الأورو أفريقي) إلى جانب الحزام الأوراسي ومثيله الباسيفيكي والذي عليه يُبنى أمل الحدّ من هيمنة القطب الأميركي. يقول دوغين إن الشرق الأوسط نقطة صدام جيوبوليتيكي مع الولايات المتحدة وانتصار روسيا فيه يجب أن يكون حتمياً.

عرض دوغين على الكرملن أفكاره الأوراسية بصفتها قاعدة أيديولوجية للسلطة الروسية الجديدة. وخلال هذه الفترة، عارض دوغين ثلاث نظريات رئيسية للقرن العشرين: وهي النظرية الليبيرالية والنظرية الشيوعية والنظرية الفاشية، وقدَّم البديل العلمي الذي سماه “النظرية السياسية الرابعة”، وقال بأن روسيا في عهد بوتين تسير وفقاً لنظريته. ملخص النظرية هو أن روسيا التي مرت بمرحلتي الشيوعية والليبيرالية، يتوجب عليها الآن الدخول في مرحلة جديدة تعتمد على رؤية سامية تعم الفضاء الأوراسي الواسع، والسعي على إحداث تغيير عالمي على أسس أخلاقية جديدة وليس على قيم مادية استهلاكية برجوازية.

منذ بداية الأزمة السورية، حثَّ دوغين الرئيس بوتين للدفاع عن سوريا بكل قوة، ودعى إلى معالجة الملف السوري من المنظور الجيوبوليتيكي، فدمشق هي العاصمة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي يمكن الاعتماد عليها في المشروع الأوراسي.
الكسندر دوغين يميل إلى الجغرافيا لتبرير السياسة الخارجية للرئيس بوتين. ووفقا له، فإن الحرب ضد جورجيا، وضم شبه جزيرة القرم والحملة العسكرية في سوريا حيث لروسيا قاعدة بحرية في طرطوس، كلها إجراءات تمليها الضرورة الجيوسياسية التي تتخطى كل الاعتبارات الأخرى.

يقول دوغين أن الدفاع الشرس لروسيا عن مصالحها في سوريا مرتبط بشكل أساسي بمرحلة الحرب الباردة حين انتصرت حضارة البحر المتمثلة بالولايات المتحدة على حضارة اليابسة المتمثلة بالاتحاد السوفيتي. فروسيا التي كانت تمثل أكثر من ربع مساحة العالم لم تكن قادرة على النفاذ إلى البحار الدولية وهو ضعف خطير من وجهة نظر الجيوسياسة.
فالحرب الباردة التي دارت بين المعسكر الغربي بقيادة واشنطن والاتحاد السوفيتي السابق ومجموعة الدولة الاشتراكية بقيادة موسكو لم تكن صداماً أيديولوجياً بل كانت صراعاً جيوبوليتيكياً وما ترتب فوق أرضية الجغرافيا. هذا يعني أن الصراع العالمي يدور أساساً بين القوى البرية والقوى البحرية، وليس بين القوى الرأسمالية أو غيرها من الأيديولوجيات كما يعتقد الكثيرون.
لذلك، نعتقد أن الكرملين لن يتردد في الدفاع عن هذه المصلحة الجيوسياسية، حتى لو اقتضى الأمر صراعاً عسكرياً طويلاً في سوريا. فروسيا بدفاعها عن سوريا تحافظ على نفوذها كقوة دولية عظمى وتدافع عن وجودها في الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

بالمثل، إن تدخل روسيا في منطقة دونباس، شرق أوكرانيا والذي أدى إلى ضم شبه جزيرة القرم واستقلال دونيتسك ولوغانسك، كان ضرورة جيوسياسية لموسكو. فروسيا بفعلها ذلك تضمن بقائها: "لو خسرنا دونباس، فإننا سنفقد القرم وبعد ذلك كل روسيا"، بحسب دوغين.
اذن ضم أوكرانيا ليس هدفاً بحد ذاته، فأوكرانيا لا تحتاج إلى أن تصبح دولة تابعة. ويقول البروفيسور الروسي في هذا الصدد: "أنا لست ضد أوكرانيا السيادية، إذا كانت ستكون حليفنا أو شريكنا، أو على الأقل، أن تبقى في الفضاء المحايد". ويضيف دوغين: "ما لا ينبغي السماح به هو الاحتلال الأطلسي لأوكرانيا".
ووفقاً للمنظر الروسي: "إن أعدائنا يفهمون تماماً أن روسيا لا يمكن أن تصبح عظيمة مرة أخرى إلا مع أوكرانيا". مضيفاً: "لا توجد طريقة أخرى. الربيع الروسي يستحيل بدون محور أوراسي في أوكرانيا، بغض النظر عن الشكل، سلمي كان أم لا،".

هنا، يتحدث دوغين عن "عامل الضرورة"، وهذا ما يعنيه تماماً عندما يتحدث عن "البديهية الجيوسياسية".
سوريا هي جزء من القضية ذاتها. حيث يعتقد دوغين أن سوريا "هو الهدف الأبعد، ولكن ليس أقل أهمية" من أوكرانيا. ويؤكد أن وجود تنظيم "داعش" الإرهابي هو جزء من "خطة الأميركيين".
أولئك الذين قد يقولون أن الكسندر دوغين يروج لنظريات المؤامرة يجب عليهم قراءة اعترافات زبيغنيو بريجنسكي الذي حصل على تفويض الرئيس جيمي كارتر عندما كان مستشاره للأمن القومي، مفاده تمويل كتائب المجاهدين في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي. لذلك يعتقد دوغين أنه لمواجهة التهديد الأمريكي، على روسيا اظهار قوتها الخاصة، والتوقف عن استخدام الحل الدبلوماسي.
اذن بحسب دوغين، الحرب السورية تُدار بين الأطلسيين والأوراسيين. ففي الشرق الأوسط اتبعت الولايات المتحدة مشروعاً يركز على تدمير الدول الوطنية، وأُطلق عليه اسم "مشروع الشرق الأوسط الكبير". وهكذا تخلق واشنطن حالة من الفوضى لفرض نفسها كقوة مهيمنة.

في التسعينيات من القرن الماضي، كانت روسيا ضعيفة ولم تصدر ردة فعل، ولكن في وقت مبكر من القرن الواحد والعشرين، بدأ الدب الروسي بالتعافي ببطء. اليوم قرر الرئيس بوتين معارضة سياسة الفوضى الخلاقة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبالتالي مساعدة روسيا العسكرية ضد الإرهاب في سوريا يمكن أن ينظر إليها بوصفها عملاً من أعمال الجغرافيا السياسية الأوراسية.
استناداً على ما سبق، تقع سوريا في قلب المعركة بين ممثلي النظام العالمي أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة ومتعدد الأقطاب بقيادة روسيا. لكن بعيدا عن ذلك، روسيا تنظر إلى تنظيم "داعش" باعتباره تهديداً مباشراً للاتحاد الروسي. هذه المنظمة الإرهابية هي نتاج السياسة الأمريكية التي أنشئت لنشر الفوضى وتزويد الولايات المتحدة في أي وقت بالحجة المناسبة للتدخل العسكري الخاص بها.
ولهذا السبب، فإن "داعش" موجود ليس فقط في العراق وسوريا، ولكن أيضاً في آسيا الوسطى. فالعصابات الارهابية هناك لها نفس الجهات الراعية ونفس الفكر. فهم ينشطون الاَن في أفغانستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان بالقرب من الحدود الروسية، بالإضافة إلى شمال القوقاز داخل الاتحاد الروسي نفسه.

بوتين يدرك جيداً أن نشاط الإرهابيين في آسيا الوسطى والقوقاز هو لخلق الظروف الفوضوية باستخدام "داعش" والجماعات الإرهابية المماثلة. لذلك المنطق وراء التدخل العسكري الروسي في سوريا واضح: احتواء الإرهاب في سوريا، وإلا على موسكو محاربتها في مناطقها الحيوية وحتى على أراضيها.
في هذا السياق يقول دوغين: "سوريا هي خطنا الخارجي للدفاع"، والخط القادم بعد سوريا هو على أراضي الاتحاد الأوراسي وحتى داخل الاتحاد الروسي.
علاوةً على ذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الانهيار التام لسوريا من شأنه أن يؤدي إلى انهيار دول أخرى في المنطقة، بما في ذلك دول في شمال أفريقيا، كما رأينا بالفعل في ليبيا. لذلك، يمكننا الحديث عن سلسلة من ردود الأفعال أو تأثير الدومينو في حال انهيار سوريا.

وهذا، بدوره، يعني أن الملايين من اللاجئين والمهاجرين سيزحفون نحو أوروبا، لأنه لن يكون هناك المزيد من المستقبل لهؤلاء الناس في حالة الفوضى العارمة. وسوف يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار البنية الاجتماعية، وبالتالي، إلى الشلل السياسي في القارة الأوروبية. وهنا يجب أن لا ننسى أن آلاف الإرهابيين تدفقوا بالفعل إلى أوروبا كجزء من تسونامي اللجوء إلى القارة العجوز.
اذن روسيا تقاتل لمنع هذا التطور، والذي هو في مصلحة أوروبا أيضاً. فروسيا تحتاج لأوروبا، وأوروبا بحاجة إلى روسيا حتى لو لم تعترف بهذا الحكومات الأوروبية.
على الصعيد التاريخي، اعتبرت روسيا أوروبا بمثابة درع ضد التوسع العثماني التركي. لذلك غرق اوروبا في الفوضى يعني تلقائياً تعرض روسيا للتهديد على الحدود الغربية والجنوبية. وبالتالي، فإن حماية أوروبا هي في مصلحة موسكو. فروسيا اليوم هي درع القارة الأوروبية من أجل منع انزلاق اوروبا إلى الفوضى.

لذا، بحسب دوغين فإن روسيا تقاتل اليوم في سوريا على عدة مستويات: الكفاح ضد تطلعات العالمية لهيمنة الولايات المتحدة؛ حماية مصالح الأمن القومي والأوراسي الخاصة بروسيا من خلال مقارعة العدو قبل أن يأتي إليها; منع انجرار اوروبا إلى الفوضى لأن مثل هذا التطور سيكون ضارا لروسيا أيضاً.